بسم الله الرحمن الرحيم
عبادة الله على حرف
” و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأنّ به و إن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين ” ( سورة الحج – آية 11)
ورد في شأن النزول أنه أَسْلَمَ رَجُل مِنْ الْيَهُود فَذَهَبَ بَصَره وَمَاله ; فَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَقِلْنِي ! فَقَالَ : ( إِنَّ الْإِسْلَام لَا يُقَال ) فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي هَذَا خَيْرًا ! ذَهَبَ بَصَرِي وَمَالِي وَوَلَدِي ! فَقَالَ : ( يَا يَهُودِيّ إِنَّ الْإِسْلَام يَسْبِك الرِّجَال كَمَا تَسْبِك النَّار خَبَث الْحَدِيد وَالْفِضَّة وَالذَّهَب ) ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ” وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف ”
على حرف : أي على وجه واحد و هو أن يعبد الله في السراء و الأفراح و لا يعبده في الضراء و المصائب . و قيل : على حرف أي على شرط . على كل حال الذي يعبد الله على حرف هو المنافق الذي لم يدخل الإيمان في قلبه أبدا .
خير : الخير كل ما يسرّ الإنسان من صحة في جسمه أو رخاء في معيشته أو رضى من أحواله و أوضاعه .
اطمأن به : أي ثبت على الإسلام و استقر به .
فتنة : الفتنة ما يُفتتن به الإنسان أي ما يُمتحن و يُختبر . أصل معنى الفتنة هو إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته .
انقلب على وجهه : أي ارتدّ فرجع الى وجهه الذي كان عليه أي رجع كافرا .
هذه الآية الكريمة تعالج موضوعا مهما جدا في حياة البشر ، طالما وصل الكثيرون إلى ما لا يحمد عقباه من عدم الثبات في الإيمان أو الخروج منه لمجرد وقوعهم في دائرة الإمتحان الإلهي والذي يتكرر كل عام مرة أو مرتين – حسب ما جاء في الكتاب العزيز – و تكون النتيجة خسارة في الدين و الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين .
أجل .. إنها أخسر صفقة للعبد أن يكون في الضر و البلاء في الدنيا و يوم القيامة يكون من الأخسرين أعمالا لأن الإنسان لم يخلق عبثا و دون فائدة بل خلقه الله لكي يعبد ه ” و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ” و هذه الآية تفيد الحصر أي أن سبب خلقة الإنسان إطاعة الله و عبادته و لا شك أن الإنسان معرض – بطبيعة حال العالم المادي – إلى كثير من الأخطار و الحوادث و المصائب في هذه الدنيا فعليه أن يستقر و يثبت على دينه و أن لا يتضعضع و ينحرف يمينا و شمالا حتى يفوز في الإختبار و بمقدار ثباته و صبره و تحمله المشاق في سبيل الله يعطيه الله الأجر في الآخرة .
إذن علينا أن نتقبل سهام المصائب و الحوادث بقلوب راضية مطمئنة و لا نجزع و لا نقول ما يغضب الرب ( حين المصيبة ) حتى لا نكون من الخاسرين الذين خسروا دنياهم و أخراهم .
لا أنسى انه كان لي صديق سوري تارك للصلاة فقلت له يوما أنصحه بضرورة شكر المنعم في إطاعته و عبادته في الفرائض على الأقل فقال لي : عندما كنت شابا طُلب مني أن أصلي و في أول يوم للصلاة انكسرت رجلي ! فكرهت الصلاة و في شهر رمضان من ذلك العام قلت لأتوب و أرجع الى ربي فبدأت الصيام و قبل أن أكمل اليوم الأول أُصبت يالزائدة الدودية و دخلت المستشفى لأكثر من أسبوع !! و لذلك أنا الآن بلا دين و كل يوم أوضاعي تتحسن عن ذي قبل !!!
قلت له : نعم .. لأنك لم تفز في الإمتحان فاستدرجك الله ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) و ربما كانت دنياك صالحة – حسب الظاهر – و لكن بعد حين سوف ترى ما يؤلمك حقا و لا مجال للندم آنذاك . ارجع يا أخي الى بارئك و استغفره و تقبل كل المصائب بالصدر الرحب و تأكد أنك ستفوز في الدارين ان شاء الله .
نقل لي أحد الثقات أنه سمع المرحوم آية الله الگلپايگاني كان يقول :
كان لي صديق من الطلبة و كنا نتباحث معا دروس الفقه و الأصول في المدرسة .. وكان من الأفاضل و ممن وصل الى مرتبة عالية من العلم . يقول انه في أواخر عمره مرض مرضا شديدا ، و كنت عادة ما أستفسر عنه و عن أحواله . فأمرت مدير مستشفاي في قم أن يأخذوا هذا العالم الجليل الى المستشفى بكل إحترام . رقد ذلك العالم في المستشفى ، فذهبت لعيادته وكانت حالته الصحية حرجة ، فقال لي : اليوم عرفت أن الله ليس بعادل ( والعياذ بالله) فاستغربت من قوله و حاولت أن ألاطفه و أذكره بما وصل اليه من كفر و عصيان . فقال : أنا و أنت كنا معا ندرس و نتباحث العلم و أنت وصلت الى هذه الشهرة و هذا المقام الرفيع و أنا بقيت فقيرا بائسا ليس لي إلا قوت يومي والآن لولا أن تداركتني لكنت أموت و أنا في البيت !! وهذا دليل على ما وصلت اليه !! فقمت أذكر له الآيات و الروايات حتى أصرفه عن هذه العقيدة الفاسدة و لم أتمكن حتى توفي دون أن يتوب وإنا لله و إنا اليه راجعون .
بصراحة كلما أتذكر هذه القصة تنتابني قشعريرة و خشية شديدة من العاقبة و أتمنى من كل وجودي أن لا يبتليني الله بما ابتلى به هذا العالِم المسكين و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. اللهم اجعل عاقبة أمرنا الى خير .
التصنيفات :تفسير


أضف تعليق