تهذيب النفس وتزكيته تبدأ من معرفة النفس. علينا أن نعرف أنفسنا و نعرف قيمتنا أولا ثم نتمكن من تهذيب أنفسنا، ذلك لأننا اذا عرفنا أنفسنا سوف نعرف الله وكلما زادت معرفتنا زاد ايماننا بالله وإن عرفنا الله فقد تم تهذيب النفس .
يا ترى لماذا وُجدنا و ما هو الهدف من خلقنا؟ يصرح الرب في كتابه الكريم : “ و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون”. وفي كثير من التفاسير قالوا بأن “ليعبدون” ، الغرض منه ليعرفون. فالمعرفة هي الهدف من الخلقة والا فليست العبادة منحصرة في الصلاة و الصيام و العبادة الفردية ، ذلك لأن هذه العبادات هي جزء من العبادة و ربما كانت العبادة الإجتماعية أكثر أهمية بالرغم من كثرة ثواب الصلاة و الصوم حيث اعتبر الله الصلاة عمود الدين و أساسه. ولكن لو تأملنا فإننا حين الصلاة و الصيام لا نفكر الا في انقاذ أنفسنا والعبادة بمعناها الأكمل هي التفكر في الآخرين و كيفية معاشرتهم والتأثير عليهم حتى تكبر رقعة العبادة و يكثر المصلون والصائمون والمزكون.
أجل .. العبادة في أحد معانيها السامية هي التعرف على آلام المجتمع والسعي وراء تحقق الراحة للجميع . و لذلك فإن الشرع يؤكد كثيرا على العبادات الإجتماعية من قبيل الصلاة مع الجماعة و الجمعة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ورفع الكرب عن المؤمنين و قضاء حوائج المحتاجين و غير ذلك مما فيه الأثر الجمعي والفائدة الإحتماعية .
و مهما كان فنحن اليوم لسنا بصدد البحث في المعرفة لأنه بحث طويل ولابد له من مقدمات و تحقيق و تحليل وتعريف .. إنما نحن اليوم بصدد أن نعرف كيف نهذب أنفسنا حتى نصل الى المعرفة و كيف نهيء الأجواء اللازمة لنكون انسانا إلهيا ملكوتيا ، لا بهيميا ناسوتيا، و بذلك تكون لنا قابلية أن نكون خلفاء الله في أرضه.
التهذيب يعني أن نغير ما بأنفسنا من أخلاق و عادات بحيث تتلاءم مع ما يريده الله لنا. و بعبارة أخرى: اذا كانت النفس تميل الى التكبر و الغرور مثلا ، يجب أن نلجمها حتى تنزل من شموخ العُجب الى حضيض التواضع فذاك الشموخ ذل و هذا الحضيض عز والله .
اذا كانت شهوة النفس تسوقنا الى البخل.. هذه الصفة التي اشمأز منها كل الأنبياء و الأولياء والعقلاء، فالحق أن نتخلى عنها و نتنزه عن وجودها فينا.
و هكذا كل الصفات السلبية يجب خلعها و نزعها من القلب و لبس رداء الصفاء والصفات الإيجابية المحمودة.
علينا أن نعود أنفسنا بالحلم و كظم الغيظ لترتفع درجاتناو نصل الى مقام الآدمية العالية . علينا أن نغير موقفنا من معاشرة الأراذل الى معاشرة الأكارم .. الى الجلوس في مجالس العلماء و الإستفادة من علومهم و معنوياتهم. علينا أن نتخلى عن الكسل و نتحلى بالنشاط .. نشاط في العبادة و الورع و التقوى. علينا أن نتعفف عن كل ما هو قبيح وكل ما يلحق بنا العار من الصفات المذمومة على مستوى الإنسان.
علينا أن نرتدي رداء الصبر حتى نصل الى مقام الرضا واليقين و التسليم المحض أمام أمر الله عند ذاك لا تتمكن الحوادث المؤلمة و البلايا الموجعة أن تؤثر في ايماننا و تقوانا .
علينا أن نخطو خطوات ثابتة نحو تكامل العقل و نضج الروح وبالإتكاء على جناحي التقوى و العمل نصل إلى أوج العزة والعظمة والرضا,
علينا أن نتسلح بسلاح التقوى و الورع و الزهد حتى لا تجرفنا ملذات الدنيا الفانية الى مزالق الشيطان و حتى تكون نتيجة كفاحنا الرضوان “ و رضوان من الله أكبر”.
يجب علينا أن نتقوى و نترفع على النفس الأمارة بكل سوء ونلجمها تماما حتى لا تؤثر فينا مدائح المداحين و أوصاف الواصفين و لا حتى شتائم الشاتمين و استهزاء المستهزئين . فالروح القوية لا يمكن أن تنكسر بل تزداد صلابة و عزة كلما ازدادت المحن.
يجب أن لا ننظر الى مشتهياتنا و مبتغانا بل ننظر الى ما يريده الله منا فأمام الله لا نملك شيئا من عند أنفسنا .. نحن العبيد و هو المولى، فلنصغ الى ما يأمرنا و ينهانا دون أن تكون لنا الخيرة في أمرنا.
علينا أن نبتعد تماما عن كل شر وسوء و عيب و رذيلة وعادة سيئة و نتخلق بالأخلاق الفاضلة و الشيم الحميدة و الخصال الكريمة حتى يكون لنا دائما البقاء حتى بعد موتنا و فنائنا الظاهري فالإنسان باقٍ بعمله و أخلاقه و صلوحه وخيره للناس أبد الدهر و دوم الحياة .
علينا أن نستبدل الغضب والحسد و البغضاء والتكبر والعصبية بالمحبة والصداقة والتعاون والإيثار والعفو و الإغماض والعطاء والصفاء والخلق الحسن.
علينا أن نعتبر من حياة الآخرين لا أن نكون عبرة للآخرين.
و عشرات غيرها من الصفات الحسنة التي علينا أن نتحلى بها و الصفات الرذيلة التي علينا أن نتخلى عنها بالتوكل على الله والإنابة اليه.. و شهر رمضان أحسن فرصة للإنسان ليعيده الى فطرته التي فطره الله عليها خير وقت للتهذيب عن طريق أحسن العبادات ، و هي التفكر والتبصّر.
إخواني.. أخواتي
لقد أقبل علينا شهر الله .. فلابد أن نستفيد منه كثيرا ولا نضيع ساعة بل و حتى لحظة من لحظات هذا الشهر المبارك. ففي هذا الشهر يتعين مصير العام بل مصير العمر. احذروا و لنحذر جميعا أن لا تنقضي ساعة من ساعاته الشريفة هدرا و دون توجه وبلا هدف فيحرمنا الله – والعياذ بالله – من هديته و عيديته و جائزته يوم عيد الفطر فلا ضرر أشد من الحرمان.
المفيد في ( المقنعة ) عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) في ـ حديث ـ ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : قال لي جبرئيل : من ذُكِرتَ عنده فلم يصل عليك فأبعده الله ، فقلت : آمين ، فقال : ومن أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فأبعده الله ، قلت : آمين ، قال : ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله ، فقلت : آمين .
و ان كانت أبواب الجنان مفتحة في هذا الشهر و أبواب النيران مغلقة فعلينا أن لا نغلق أبواب الجنان على أنفسنا بأعمالنا الطالحة وخصالنا السيئة و العياذ بالله.
في هذا الشهر كما جاء في الأثر، تتزين الجنة لإستقبال الأعمال الصالحة للمؤمنين بل و تتضاعف الحسنات فلنستعد لرفع رصيدنا المعنوي بكل اهتمام. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « شهر رمضان شهرالله عزو جل و هو شهر یضاعف الله فیه الحسنات و یمحو فیه السیئات, و هو شهر البرکة, و هو شهرالانابة, و هو شهر التوبة, و هو شهرالمغفرة, و هو شهرالعتق من النار و الفوز بالجنة.
ألا فاجتنبوا فیه کل حرام و کثروا فیه من تلاوة القرآن و سلوا فیه حوائجکم و اشتغلوا فیه بذکر ربکم و لا یکوننّ شهر رمضان عندکم کغیره من الشهور فان له عندالله حرمة و فضلا على سائر الشهور, و لایکونن شهر رمضان, یوم صومکم کیوم فطرکم»(فضائل الأشهر الثلاثة -٩٥)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «علیکم في شهر رمضان بکثرة الإستغفار والدعاء، فأما الدعاء فیدفع البلاء عنکم و أما الإستغفار فتُمحى به ذنوبکم» (وسائل الشيعة ٧-٢٢٠)
وأخيرا فإن شهر رمضان شهر تهذيب النفس و أقل ما نهذب به أنفسنا أن لا نرى الا الله وأن نقرّ بأن الله هو مالكنا و هو سيدنا و ربنا و الهنا لا معبود سواه . التهذيب هو الإنفصال عن كل التعلقات و الأهواء النفسية والحركة في مسير الكمالات والفضائل الإنسانية المتعالية. ولا شك أن من انفصل عن الماديات ولو جزئيا فإنه يتوجه الى الله و يتدرج في مدارج الكمال نحو المطلوب والمقصود. فإذا كان كذلك فقد ارتقى الى أعلى درجات الإرتقاء البشري دون ريب . و الله يعلم أن كل مفاسد الدنيا و التعديات و الجرائم و التجاوزات سببها حب الدنيا و هوى النفس ولذلك فالقرآن يبدأ بالتزكية و التربية قبل التعليم و شهر رمضان شهر التزكية و التهذيب.
تعالوا أعزائي نتقرب الى الله و نخطو خطوات صادقة نحو ما يحبه الله لنا حتى نكون من المرضيين عنده بحول منه وقوة .. آمين ، رب العالمين
و في الختام أذكركم و نفسي بمقطع مبارك من الصحيفة السجادية الشريفة ليكون نصب أعيننا ونحن نسير في ربوع شهر الله العظيم:
« اللهم و انت جعلت من صفایا تلك الوظائف و خصائص تلك الفروض شهر رمضان الذي اختصصته من سائر الشهور و تخیرته من جمیع الأزمنة و الدهور, و آثرته على کل أوقات السنة بما أنزلت فیه من القرآن والنور و ضاعفت فیه من الإیمان, و فرضت فیه من الصیام, و رغّبت فیه من القیام, و أجللت فیه من لیلة القدر التي هي خیر من ألف شهر, ثم آثرتنا به على سائر الأمم واصطفیتنا بفضله دون أهل الملل, فصمنا بأمرك نهاره, و قمنا بعونك لیله, متعرضین بصیامه و قیامه لما عرّضتنا له من رحمتك و تسبّبنا الیه من مثوبتك و أنت المليءُ بما رُغب فیه الیك، الجواد بما سئلت من فضلك القریب الى من حاول قربك »
٢٩شعبان/ ١٤٤٢
التصنيفات :مقالات

أضف تعليق